المواضيع الأخيرة
» لكل شخص متردد بسبب اللغة الالمانية
أمس في 8:10 pm من طرف oktub

» دراسة الدكتوراة في المانيا
أمس في 7:50 pm من طرف oktub

» اجراءات تقديم التأشيرة لزوجة و الأبناء
أمس في 8:16 am من طرف أبوبكر موسى حامد

» كتاب 1000 سؤال لاختبار توفل مع إجاباتها
الأربعاء 07 ديسمبر 2016, 3:17 pm من طرف مدير المنتدى

» تعرف على الدول التي يمكن لليبيين السفر اليها دون تأشيرة دخول
الأربعاء 07 ديسمبر 2016, 2:04 pm من طرف مدير المنتدى

» اتفاق حول منح التأشيرة تشيكيه لليبيين من تونس
الأربعاء 07 ديسمبر 2016, 12:34 pm من طرف مدير المنتدى

» نصيحة الله يرحم والديكم
الأربعاء 07 ديسمبر 2016, 5:19 am من طرف Sandrik

» دكتوراة في كندا
الأربعاء 07 ديسمبر 2016, 5:04 am من طرف Sandrik

» خطاب وزير التعليم المفوض بشأن الإسراع في احالة الربع الرابع
الثلاثاء 06 ديسمبر 2016, 7:40 pm من طرف البتول محمد

» يمكنك أن تشفي نفسك
الثلاثاء 06 ديسمبر 2016, 7:31 pm من طرف NAIMA BASHER

» تفويض النقل وتغيير الساحة
الثلاثاء 06 ديسمبر 2016, 11:51 am من طرف البتول محمد

» السفارة الامريكية بتونس
الثلاثاء 06 ديسمبر 2016, 7:43 am من طرف أبوبكر موسى حامد

» قرار ايفاد رقم 628/2015
الإثنين 05 ديسمبر 2016, 1:27 pm من طرف dr.mhgb

» المراجعه علي رسائل الدعم والقبول
الإثنين 05 ديسمبر 2016, 1:20 am من طرف محمد الوحيشي

» المراجعه علي رسائل الدعم والقبول
الإثنين 05 ديسمبر 2016, 1:19 am من طرف محمد الوحيشي

المواضيع الأخيرة
المواضيع منذ آخر زيارة لي
 استعرض مُساهماتك
 المواضيع التي لم يتم الرد عليها
الموفد على الفيس بوك ...

"عدوّ الشمس ".. أول رواية عن ثورة 17 فبراير الليبية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

"عدوّ الشمس ".. أول رواية عن ثورة 17 فبراير الليبية

مُساهمة من طرف الحالم في الأحد 10 يونيو 2012, 6:33 pm

صدر للروائي والقاص المغربي مُحَمَّد سَعِيد الرَّيْحَانِي رواية بعنوان “عدوّ الشّمس، البهلوان الذي صار وحشا” وهي أول رواية عن ثورة 17 فبراير، الثورة الليبية. وقد كتبت التسع فصول الأولى ما بين تاريخ اندلاع الثورة في فبراير 2011 إلى غاية نهاية شهر أغسطس/آب من نفس السنة ونشرت بتسعة فصول فقط.
وبعد إلقاء القبض على معمر القذافي في سبتمبر/أيلول 2011، راسل القراء كاتب الرواية مطالبين بتحيين أحداث الرواية لمجاراة الأحداث الواقعة على الأرض. فأضاف الكاتب فصلين إضافيين، هما الفصل العاشر والحادي عشر، حيث يلقى القبض على العقيد ليلقى جزاءه.
الفصل الأول




الصمت الذي يخنق القاعة الفسيحة تُضاعف منْ سطوته النوافذ الموصدة دون السرير الوحيد المحاصر في الوسط حيث يتمدد رجل ربطت أطرافه بالسلاسل مع قوائم السرير الذي بدأ يهتز بفعل اضطراب النائم الغارق في كوابيسه: أشباح تلاحقه في كل مكان ومن كل جهة: رجال بلباس روماني قديم يحاولون اللحاق به بجنون لكنهم يبدون وكأنهم يجرون في مكانهم متوعدين:
- “جايين لك، يا معمر! جايين لك!”…
يصاب النزيل بالذعر ويحاول الطيران إلى أي مكان بعيدا عن الأيدي المجنونة المتطاولة لكنه لا يستطيع تغيير حتى وضعية استلقائه على الفراش حيث سُمِّرَ بوجهه إلى سقف القاعة حتى أجل غير مسمى. وحدها الكلمات لازالت تطاوع لسانه:
- “من أنتم؟!”…
ثم تتوالى الأسماء والمسميات على أثير كابوسه:
- “أنا نيرون!”
- “أنا كاليغولا!”
- “أنا كركللا!”
- “أنا…!”
- “أنا…!”
- “أنا…!”
يتمكن منه الهلع فيحاول الهرب من الأسماء التي تلاحقه لكن السلاسل لا تطاوعه.
يحاول الهرب من حلمه، في حلمه…
يتسلق السور الذي رفع أمتارا إلى السماء للحيلولة دون فرار النزلاء إلى خارج مصحة “عين شمس” للأمراض العقلية لكن تهديد قياصرة الرومان لا يرن فقط في أذنيه وإنما يسري في كل أوصاله:
- “جايين لك، يا معمر! جايين لك!”…
تأجج هياج النزيل وسرى صدى صراخه إلى باقي قاعات العيادة وأصاب باقي النزلاء بعدوى الخوف والصراخ فحضرت الممرضات اللائي طلبن الطبيب الذي طلب بدوره حضور رئيس الجمهورية للتشاور في مصير النزيل الذي اقتيد إلى العيادة بطلب شخصي من الرئيس نفسه:
الطبيب: النزيل الأجنبي الذي استقبلناه بناء على طلبكم الكريم يعاني من عرضين. العرض الأول هو جنون العظمة والعرض الثاني هو الفصام.
الرئيس: وما العلاج؟
الطبيب: إما الإعدام، يا فخامة الرئيس، أو مساعدته في انقلاب على الحكم في بلاده ينصب بعده رئيسا على طريقة القياصرة!
الرئيس: وما نوع الخطر الممكن أن يصدر عنه في حالة اللاإعدام واللاانقلاب؟
الطبيب: المشكلة الاولية، ، يا فخامة الرئيس، هي أين سيعيش بعد خروجه من عين شمس؟
الرئيس: طبعا، سيعيش بين ذويه في ليبيا!
الطبيب: إذن، ساعده على العلاج بإنجاح محاولته الانقلابية على نظام الحكم هناك. مجانينالعظمة علاجهم هو كرسي الحكم، يا فخامة الرئيس.
الرئيس: هذا علاج مرضى جنون العظمة، وماذا عن مرضى الفصام؟!
الطبيب: مرضى الفصام إذا اعطوا فرصة للحكم فإن الشعارات التي تتمحور حولها كل سياساتهم ومشاريعهم ومبادراتهم هي “الوحْدة“. ليس المقصود ب”الوحْدة” الوحدة الداخلية والمصالحة الداخلية وإنما المقصود وحدة أي شيء خارجهم بدء من وحدة الدول والشركات والبحار والسماوات والنجوم والكواكب… إنهم مجانين توحيد كل شيء للتخفيف من نيران التناقضات الطاحنة داخلهم…
الرئيس: وأين الخطر في كل هذا؟
الطبيب: الخطر، يا فخامة الرئيس، هو أنه سيعتبر ما يراه “حقيقة” وسيدافع عنها بأرواح ودماء كل الناس!
الرئيس: ما أريد أن أعرفه هو هل هذا الرجل معافى أم لا؟
الطبيب: هذا النزيل متماثل للشفاء ولكن عودة المرض من جديد احتمال قوي. وآنذاك، لن يكون ثمة علاج ممكن لأن تلك المرحلة من المرض ستكون مرحلة جد متقدمة مثل سعار “الدوبرمان“ الأخير، الذئب- الكلب، حيث لا ينفع معه آنئذ سوى قتله أو تنصيبه رئيسا- إلها!
الرئيس: حسنا، أفرج عنه يا دكتور!
الطبيب: ليَكُنْ، فخامة السيد الرئيس!
الزغاريد في كل مكان…
البعض روج بأن رائد الفضاء لويس آرمسترونغ سمع الزغاريد من على سطح القمر حين وطأته قدماه لأول مرة في تاريخ البشرية…
وميض الكاميرات في كل مكان…
البعض روج بأنه رآى صورته منقوشة على قرص القمر في الليالي البيض من منتصف الشهر الهجري…
صدى خطابه الأول في كل مكان، على أمواج كل الإذاعات والتلفزات، بين مواد كل الجرائد والمجلات والمناشير:
“إن السلطة والحكم ينتجان “الطاغية“. وعليه، ارتأيت أن أقتسم معكم القوتين لضمان الفعالية: فلكم أنتم الشعب السلطة؛ ولي أنا القائد الحُكم.
كما أن حراسة الثروة والتصرف فيها تنتجان “الإسراف والتبذير“. وعليه، ارتأيت أن أقتسم معكم الدورين: فلكم، أنتم الشعب، حراسة الثروة النفطية وباقي الثروات الطبيعية؛ ولي، أنا القائد، صلاحية التصرف فيها.
لن أكون لكم حاكما فرديا يحكم رعايا منفردين. أنتم ثوار أسقطتم نظاما فاسدا. أنتم أبناء شعب عظيم. لستم أفرادا ضالين هائمين على وجوههم حتى يحكمهم حاكم فرد. أنتم أبناء وأولياء عائلات. أنتم تنتمون إلى عائلات أصيلة تربطها بعضا لبعض أواصر الانتماء إلى الوطن. أنتم عائلات حرةستحكمها، من الآن فصاعدا، عائلة حاكمة. وهذا هو جوهر هذه الثورة المجيدة التي ستوحدنا جميعا وتؤلف بين قلوبنا والتي سنكون جميعا مستعدين للدفاع عنها حتى آخر قطرة من آخر رجل!…”
همْسٌ في همْسٌ.
الناس تتبادل اندهاشها من مضمون خطاب القائد مغمغمة:
- إنه يقول بأننا قمنا بثورة بينما كنا جميعا، لحظة إعلان الخبر، إما في مقرات عملنا او نشرب القهوة العربية في مقاهي الشيشة!…
- أمر مضحك فعلا ولو أنني لاحظت علامات أخرى أكثر طرافة في خطابه وإيماءاته بحيث بدا لي، في لحظة من اللحظات، بهلوانا…
- كيف يكون بهلوانا وهو قائد ثورة؟!
- ألم تقل قبل قليل بأنك تفاجات لكونه لم تحدث ثورة في البلد ومع ذلك فهو يقودها؟ كيف يمكنه قيادة ثورة لم تحدث؟ أليس هذا سيركا؟ أليس الرجل بهلوانا؟!
- ومع ذلك، فالمرحلة تحتاج إلى القليل من الفكاهة للترويح عن النفس من الإحباطات المتلاحقة. ربما، من الأفضل أن يكون الرئيس بهلوانا على أن يكون شيخا وقورا يدعي الجد ويجهد نفسه في إقناعنا بمظهره ونيته…
- من هنا، أنا أرى بأن ما يحدث هو فعلا ثورة!
- ثورة بهلوان على مظاهر الرزانة والوقار والحكمة!…
يغرق الجميع في الضحك وينصرفون غير مبالين بالقائد مترجلا قربهم وسط هالة من الحرس العسكري.
وحده، صديق الطفولة، انتبه إليه وأوقفه قبل أن يستأذن حاشيته:
- اسمح لي، أيها الأخ القائد!
- لا تبعدوه. أيها الحرس، اتركوا المواطن يخاطب قائده الثائر بكل حرية دونما الحاجة إلى البروتوكولات البائدة، فهذه الثورة قامت ضد الشكليات التي تعطل المطالب الجوهرية. اتركوه!…
- ألم تعرفني؟ أنا صديق الطفولة في مدارس مدينة سرت. وأنت، ألست معمر قذاف الدم؟
- بلى، ولكنني غيرت اسمي. انس هذا الاسم حين تكلمني كقائد دولة وزعيم ثورة!
- ولكنه اسمك الحقيقي، أيها القائد، فأنا لم أعرفك حين استمعت لخبر الانقلاب على التلفاز!
- أولا، هذه ثورة وليست انقلابا. ثانيا، أنا غيرت اسمي الحقيقي الذي تعرفه بالاسم المستعار الذي عليك أن تعرفه.
- ولكن: هل ستحكم البلاد باسم مستعار؟
- وما المشكلة؟
- الاسم المستعار للشخصيات التي لها “وجهان“: وجه حقيقي ووجه زائف. ولهذا، كان من يلجأ إلى الأسماء المستعارة هم الفنانون، والمومسات، والمجرمون والجواسيس…
- أعتقد بأنك الآن تأكدت من هويتي. بقي لك أن تعرف بأنني الآن قد صرت معمر القذافي وأن هذه هي مصافحتك الأخيرة لي فلي من المهام والأشغال ما يشغلني عن الدردشة مع صداقات الطفولة. فأنا، كما ستبدي لك الأيام، قائد دولة عظيمة واسمي الشخصي يحيل على اسم قائدين عظيمين هما عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. وعليك التأكد من تطابق أسمائنا وافعالنا نحن الثلاثة إذا ما صادفتني أتفقد شؤون الرعية بنفسي سواء في الليل أو النهار. وداعا!…
بإيماءة من يده، عاد الحرس ليحف به من كل جانب ويحميه من تطفل المتطفلين لكنهم لم يستطيعوا حمايته من الفكرة الجديدة التي بدأت للتو مراودته عن نفسه: أنه صار العُمَرَيْن في آن، عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. ولأن الحراس لم يستطيعوا حمايته من غزو الأفكار الجديدة، فقد أمرهم بالذهاب إلى بيوتهم وتركه لوحده يتفقد أحوال الرعية.
قرب باب قصره، وجد متسولة قبلت يده اليمنى ووضعت في يده اليسرى وصفة علاج لا تستطيع تسديدها فصرخ في وجهها:
- ولكن التطبيب مجاني في البلاد؟ فكيف تتسولين علاجا هو في متناول يدك بحكم الحق والقانون؟
فأجابت:
- التطبيب ليس مجانيا علينا. نحن لسنا من اللجان الثورية، أيها القائد. يمكنك الذهاب إلى باب المستشفى لتتأكد من صحة قولي!
قرب باب المستشفى تسابقت النساء لتقبيل يد معمر القذافي اليمنى وفي أيديهن وصفات طبية تنتظر الدس في يد معمر القذافي اليسرى ولسان حالهن أنهن لسن من اللجان الثورية فصاح القائد: “شوهتموني أمام كاميرات العالم. أنتن لستن ليبيات. أقسم بالثورة المجيدة بأنكن غير ليبيات. الليبيات لا يقدرن على التسول“.
أخرجت النسوة بطاقات هويتهن وهن يقسمن بالله بأنهن ليبيات فاستقل القائد سيارته وانصرف وقد أيقن بأنه لن يكون لا عمر بن الخطاب ولا عمر بن عبد العزيز…
الفصل الثاني


بعد انقلاب الفاتح من شتنبر بالتقويم الأخضر الذي يوافق نزول الإنسان على سطح القمربالتقويم الملون، وبث أول خطاب للعسكري الذي لا يعرفه أحد، تنفس الناس الصعداء لرؤية “ بهلوان” يحكمهم وينفس عنهم كربهم وهمهم بتسليتهم وإضحاكهم. ومع مرور الأيام، صار الشعب برمته يطلبه لإضحاكهم بينما يرى العسكري بأنه مطلوب من لدن الجماهير للضرورة التاريخية، فراح يكتب خواطره حيثما تملكه الإلهام والوحي والمس ليجمعها مرتبة ومبوبة في كتاب لا يجمعه جامع ولا يربطه رابط وهو ما حيره لحظة قرار عنونته قبل دفعه للمطبعة. وبعد مخاض وجنون، قرر طبعه بلا عنوان…لم تنتبه المطبعة إلى نواقص مخطوط قادم للتو من أعلى هرم في السلطة بالبلاد فغلفته على وجه السرعة باللون الأخضر وهمت بالشروع في الإجراءات الإدارية التي تسبق قانونيا النشر ولكنها واجهت مشكلة لدى المساءلة عند مصلحة الإيذاع في وزارة الثقافة إذ لا يمكن لكتاب أن يصدر دون عنوان فسماه القيم على المطبعة “كتاباأخضرا” نسبة إلى لون الغلاف:- الأخ القائد العظيم، الكتاب الذي سلمتني إياه كان لابد له من عنوان فسميته ب “الكتاب الأخضر“، ملتمسا الصفح والغفران من جنابكم المعظم!- حسنا فعلت! أخضر! هذا هو اللون الذي لم أره في طفولتي بين رمال الصحاري وكثبان الصحاري وعواصف الصحاري…- ولقد ابتكرت لك إيماءة تليق بظهورك ك”ثائر” و”محرر” و”مخلص“: إيماءة القبضتين المشدودتين إلى بعضهما البعض: رمز الوحدة!- حسنا فعلت، أيها الخديم المطيع! الوحدة، هذا هو دوائي من الصراع الذي يعبث بأحشائي وأوصالي ودواخل ذاتي. الوحدة، هذه هي وصفتي!أعجبت العقيد، زعيم الثورة، الفكرة فتبناها شعارا لحياته وسياسته وثورته وَلِبِشْرَةِ شعبه فصار ينسب كل شيء إلى الخضرة فحول العلم الثلاثي الألوان إلى علم أخضر وسمى الساحات باللون الأخضر ووسم الجرائد بالأخضر لكنه تردد كثيرا في تسمية ابنه البكر ب”الأخضر” لأنه علم بأن الاسم شائع في الجزائر، الدولة الجارة، إلى درجة العامية فعدل عن التسمية التي قد تضر بمستقبل ابنه:“أيها الشعب العظيم، إن وحدة الشعوب من وحدة الخطاب المتداول بينها. لذلك، فقد عكفت مؤخرا على إعداد كتاب يكون مرجعا لكم في وضوئكم وصلاتكم وَحَجِّكم وشهادتكم وموتكم وبعثكم. وهذا سيتطلب مصادرة كل الكتب الوافدة من الخارج ومراقبة كل الكتب المطبوعة في الداخل. وحده “الكتاب الأخضر” حر في التداول وحاضر في كل ربوع البلاد حيثما انتصبت الرفوف: في البيوت ومقرات العمل والأرصفة والسهول والهضاب والوديانوالتلال والجبال. وحده “الكتاب الأخضر“ يقرأ ويشرح في كل مكان. ولهذا الغرض، تم فتحُ باب التطوع في وجه المناضلين والمكافحين والمجاهدين والمقاومين من الأحرار لتحمل المهمة. كما تم إحداثُ آلات ثابتة على جنبات الأرصفة على شكل “دجوك بوكس” جاهزة لقراءة “الكتاب الأخضر” مقابل إلقاء قطعة معدنية من فئة دينار واحد في شقة الجهاز الآلي أما تفسير “الكتاب الأخضر” فلقاء دينارين…“الكتاب الأخضر” كتاب مقدس نزل على شخصنا الكريم هذا في بلدنا الحبيب هذا قبل أن يزحف على العالم قريبا وأهم نبوءاته: مفهوم الجماهيرية والعمل الجماهيري. إنمفهوم الجماهيريةمفهوم جديد يختلف عن الملكيةالوراثية التي تستمد قوتها من شخص واحد ويختلف عن الجمهورية التداولية التي تستمد مشروعيتها من ممثلي الشعب. إن نبوة “الكتاب الأخضر” تتمثل في كون الجماهيرية تستمد مشروعيتها من الشعب مباشرة دون وصاية أو تمثيلية. وبهذه الطريقة، لن يبق ثمة حاجة إلى المنظمات أو الجمعيات أو الأحزاب أو النقابات. لقد أوقفنا التاريخ، فلا أحزاب بعد اليوم ولا نقابات ولا جمعيات، لا نقد ولا محاسبة ولا مطالب ولا أسئلة، لا كتب مقدسة، لا شيء غيري وغير كتابي وخطبي. نحن في عجلة من أمرنا فالتاريخ ينتظرنا ولا حاجة لنا بمحترفي وضع العصي في العجلات”.لم يخطر على بال العقيد في أي لحظة من لحظات الماضي القدرة السحرية لكرسي السلطة على تحقيق الأحلام المستحيلة. فبمجرد استيلائه على الكرسي عام نزول الإنسان على سطح القمر، صار “مُفَكّرا“ بإصدار وحيد عنوانه “الكتاب الأخضر“، و”ثائرا” بفضل انقلاب على ملك بلغ من العمر عتيا، و”محبوب الجماهير” بفضل ظهوره اليومي على الشاشات: الكبرى والمتوسطة والصغرى… لكنه، حين كان يختلي بنفسه كان بالكاد يصدق بأنه “رئيس دولة“. وخطرت على باله أفكار متناسلة:“ما دام العالم سيعرف وضعي الجديد كرئيس، فَعَليَّ بترقيتي لنفسي كرئيس مدى الحياة بصفة مقبولة لدى كل الطبقات والفئات والأوساط: صفة “زعيم” تفي بالغرض. أما أجيال المستقبل، فعليها أن تعرف بأنني حكمت. لذلك، عليها إما أن تقرأ ذلك في أمهات الكتب ك”الكتاب الأخضر” أو أن يضع أحدهم يده على كنز يحمل اسمي في الصحراء أو البحرثم يشيع الخبر فيعود اسمي ثانية إلى الهواء ينعش المتنفسين ويغذي الجوعى للمعرفة والحقيقة. ولأنني صرت رئيس دولة، فقد وجب على العالم أن يعرف ذلك وأن يكتب الجميع عنه. هذا بالطبع سيعني حضوري يوميا على وسائل الإعلام ولو بسرد النكت أو خلق طرائف في المؤتمرات أو اقتراح المبادرات المضحكة……ثورته على الملك تلتها ثورته على زوجته الأولى فكان أول ضحايا الثورة هو ابنه البكر من زوجته الأولى لأنه من جيل حكم الملك. أما الأولاد الذين ازدادوا في حضن الثورة فكانوا يحملون في جيناتهم لون الثورة: اللون الأخضر.في تصميمه لقصور ما بعد الثورة على الملك وعلى زوجته الأولى، أطلق العقيد الثائر ثورته الثانية الخاصة بالمعمار. فقد بدأ يلح على تقوية “العالم السفلي” من القصور: السراديب. وفي تصميم الساحات، بدأ يلح على علو الجهة التي سيقف فوقها لإلقاء الخطب. أما في تصميم السجون، فقد بدأ يلح على ضرورة تبني تقنية الأقفاص الحديدية المستقلة المغطاة بالإسمنت المسلح…بعد ثوراته الثلاث، التي قام بها لوحده ضد الملك وضد زوجته الأولى وضد نماذج العمارة التقليدية في تشييد السجون والقصور، قام العقيد بثورة رابعة: الثورة على الذكور من الجنود، بقايا رموز عهد الملكية البائد، معينا العسكريات النساء محلهم فكانت من بينهن نساء حارسات شخصية، ونساء طبيبات،ونساء ممرضات، ونساء مروضات، ونساء مدلكات، ونساء زيجات، ونساء خليلات…وحين شعر الجنود الذكور بأنه لم يبق لهم نساءٌ، ثاروا عليه في انقلاب صاخب:- “حراسه نساء، جيوشه مرتزقة… ولماذا نحن هنا؟ أمجرد ديكور؟!“أحبطت الجنديات النسوة الانقلاب ورفعن أسهمهن في عيني العقيد الثائر الذي بدأ يفكر في ثورة خامسة. فقد كانت الشركات الأجنبية تأخذ تسعين في المائة وتترك للشعب الليبي عشرة في المائة. لذلك، قام العقيد ب “تأميم” النفط فصارت الشركات الأجنبية تأخد فقط عشرة في المائة بينما هو وأسرته يأخذون التسعين في المائة المتبقية ويجرون “العقود الخاصة“ مع الدول تُحَوّلُ بموجبها الأموال إلى الحسابات الخاصة لعائلة القذافي المصغرة والممتدة حتى إذا ما اسْتُفِزَّ، استدعى الكاميرا والميكروفون وارتجل خطابا يقول فيه:- “أنا المجد! لقد أممت النفط! لقد صيرت النفط في يد الشعب! أنا المجد والمجد لي! أنا هو الشعب والشعب هو أنا! صوت الشعب هو صوتي، وروح الشعب هي روحي، ومزاج الشعب هو مزاجي، وثروة الشعب هي ثروتي، وحساب الشعب البنكي هو حسابي، وتلفزته تلفزتي، وإذاعته إذاعتي، وما يريد الشعب قوله أو فعله أقوله وأفعله نيابة عنه. ولهذا السبب الأخير، رَبَطْتُ استوديو الإذاعة والتلفزة الليبية بغرفة نومي حتى أعيش لقضية بلدي في صحوي ونومي..”قرب فراشه، ثبت زرا يرتبط آليا بمركز البث الإذاعي والتلفزي في العاصمة حتى إذا ما لم يعجبه برنامج من البرامج المباشرة والمسجلة، ضغط، من تحت غطائه على السرير، على الزر فتتوقف البرامج أو يتوقف البث برمته. أما عندما لا يروقه برنامج على فضائيات أجنبية، فيهاتف إدارة الاستخبارات التي تبدأ للتو برشق الفضائية المعنية في القمر المعين مباشرة من “فيللا الاستخبارات” بالرسائل الخاطئة والرموز المشوشة فتعطل عمل الفضائيات المزعجة أو تشل حركتها بالمرة…وبينما بدأ العقيد الثائر يفكر في ثورة أخيرة يستبدل فيها رفاقه وأفراد نظامه وحكوماته بأبنائه الذي ولدوا بعد ثورته ونموا في حضنها وترعرعوا في قصورها وثرواتها وممتلكاتها، آنئذ عاوده الكابوس القديم ثانية، رجال بلباس روماني قديم يحاولون اللحاق به بجنون وهم يجرون في مكانهم متوعدين:- “جايين لك، يا معمر! جايين لك!”…- “من أنتم؟!”…ثم تتوالى الأسماء والمسميات على مسامعه:- “أنا نيرون!”- “أنا كاليغولا!”- “أنا كركللا!”- “أنا…!”
الفصل الثالث

صب العقيد كوب شاي للعراف المقرفص على الحصير قبالته تحت الخيمة خارج بهرجة القصر ونسائه وغلمانه وخدمه وقال:- الأبناء مفخرة الآباء في تجمعاتهم حيث يعدون أبناءهم كما يعدون ممتلكاتهم وهم أيضا منشطو الذاكرة حيث يسترجع الآباء في خلوتهم ماضي الطفولة والشباب. ثم إن كثرة الأبناء عربون حماية من أعداء الغد وتأمين حقيقي ومتين ضد مفاجآت المستقبل. أليس كذلك، أيها العراف الخبير بالفراسة وقراءة الطالع؟- كلامك صحيح، أيها الأخ القائد. المال والبنون زينة الحياة الدنيا.- قل لي، إذن. هل أنت مستعد لقراءة مستقبل أبنائي؟- نعم، أيها الأخ القائد. نادِ على الأطفال!
دخلت كوكبة من الأطفال الغرفة وقرفصت على الحصير فخاطبهم قارئ الكف:-هيا، يا أطفالي. مدوا لي أكفكم ما دمتم صغارا وغير قادرين على فهم قراءاتي!- وماذا لو عرفوا بالأمر؟- سيقتلونني، أيها الأخ القائد.- ولماذا سيقتلونك وأنت تقرأ لهم طالعهم وتفتح عيونهم على ما غاب على الناس جميعا؟- إن حكمة الغيب هي أن يعيش المرء حياته غير آبه بما ينتظره. أما أن يتحدى المرء القاعدة ويمر عبر الباب الأخرى لمعرفة قدره، فسبيل غير آمن لأن ما ينتظر المرء ليس بالضرورة مُرْضٍ ومفرح ومريح لمن يتوق لمعرفته أو سماعه أو رؤيته.- هذا غير مهم، الآن. خُذْ كفّ الطفل الأول وهات قراءتك!أخذ العراف يد الطفل الأول وقلب كفها إلى أعلى وقارنها بالكف اليسرى ثم عاد ليدقق النظر في خطوطها وأشكالها وطول وقصر أصابعها قبل أن يجهر بقراءته:- هذا الطفل، باستثناء الاندفاع الذي يبقى كخاصية تصل بين شخصيتيكما، لن يشبهك في شيء. فلا علاقة له لا بالسلاح ولا بالجدال ولا بالسياسة ولا بأي شيء مما كبرت على حُبه، أيها القائد. إنه لاعب كرة قدم. ومهمتك هي أن تنتبه إلى الخزينة العامة للبلاد حين يدخلها. فهو لاعب فاشل ولكنه لن يتخلى عن هوايته ولو بشراء مكانه في كبريات الأندية العالمية من بيت مال المسلمين…
ترك العراف يد الطفل أمام ذهول الأب العقيد الذي بدأ ينظر لابنه نظرة مختلفة عن نظرة زينة الحياة الدنيا ولم ينتبه لنفسه إلا بعدما شرع العراف يقرأ كفّ الطفلة الموالية:- لو لم تكن بنتا، لقلت بأنها أنت بلحمك ودمك. هذه الطفلة عاشقة للجدال والنقاش وستقضي غدها بليله ونهاره في ساحة الهايد بارك بعاصمة الضباب تخطب في الناس وتروج ل”الكتاب الأخضر” وتبشر ب “سلطة الشعب“…
أخيرا، عادت البسمة إلى محيا الأب العقيد الذي بدأ هذه المرة يختار الأكف ليقدمها للعراف:- هذا سيشوه صورتك، أيها الأخ الثائر. إنه سكير، فاحش، داعر، مقامر… هل يمكن أن يكون هذا الولد من صلبك، أيها القائد؟!تملك الحرج القائد فنظر يمنة ويسرة خوفا من تطاول الآذان على أحاديثهما وعلى أسرار أبنائه ثم جر كفَّ طفل آخر وقدمه للعراف الذي لم يتأخر في تفكيك طلاسم الخطوط والأشكال:- هذا بهلوان ماهر، أيها القائد. إنه يجيد اللعب على حبلين. سيكون ساعدك الأيمن من خلال مخالفتك في السلم وتأييدك في الحرب لضمان التوازن لصالحك لكنه، خارج السيرك السياسي، مسرف للغاية وكسول جدا ولن يحصل على شهاداته الجامعية إلا بالرشاوي في شكل هدايا مالية ثقيلة…
مد القائد يدي طفلين دفعة واحدة للعراف مغمغما في توتر:- وماذا تقرأ هنا في هذين الكفين؟
تأملهما العراف وقال بصوته الجهوري الذي بدأ يثير حفيظة العقيد:- القتل والتنكيل وشرب دم الخصوم هي سمة هذين الطفلين معا. وبدل أن يتنافسا على تربية ال*****ات الأليفة من قطط وكلاب وحمام ودجاج ويسمونها بأسماء الآخرين، سينصب اهتمامهما على تربية الكتائب لترهيب الشعب وترويعه وسيسمونها بأسمائهما: كتيبة خميس، كتيبة المعتصم…
همهم العقيد بصوت مسموع:- أتراني أراهن على مثل هؤلاء ممن أعد لقيادة البلاد وخلافتي عليها؟ مجرد لاعبين فاشلين في السيرك وكرة القدم وسكارى وقتلة وحكواتيين؟ أين الأسرة-النظام السياسيالتي شغلت فكري ووجداني؟
وبشكل مباغث، مدّ العقيد كفه للعراف، قائلا:- وهنا، هل يمكنك قراءة أي شيء؟
أبطلت المفاجأة لسان العراف الذي لم يتوقع يوما أن يقرأ قدر حاكم عربي جلس على كرسي الحكم لسنوات تناهز سنوات عمره. عقدت المفاجأة لسانه ولم يفكها إلا إصرار العقيد على سماع قراءة كفه:- أرى أشخاصا في لباس قياصرة الرومان القدامى برغوة الغضب تتطاير من أشداقهم إلى الهواء في شكل بالونات صغيرة ملونة وهم يجرون وراءك للإمساك بك صائحين…
تغير صوت العقيد وشحب لونه وكاد يسقط في جلسته:- أيقولون: “جايين لك، يا معمر! جايين لك!”؟…- نعم، أيها القائد. هل تسمعهم؟- مرارا!…- وأين سمعتهم، أيها الأخ القائد؟ هم يجرون ويرغدون ويزبدون على صفحة كفك؟ هل أنت أيضا قارئ كف؟!
لم يجب العقيد لأنه لم يسمع السؤال فقد كان غارقا في عوالمه الداخلية:“لا مستقبل لي ولا لأبنائي، إذن!لا مستقبل لي لأن لي عدوا!وعدوي من دمي ولحمي!عدوي هو شعبي وعليَّ الاستعداد له!عليَّ أن أعدَّ له ما استطعت من قوة!”خارج عالمه الداخلي، كان المواطنون يتساءلون:- “لمن يكدس الزعيم كل هذا السلاح وضد من؟”
وقبل مرور السلاح أمام أعين المواطنين إلى الثكنات، كان تجار السلاح أنفسهم قد تساءلوا عن الجهة التي يسميها العقيد أعداء ويتسلح ليستقوي عليها ويتأهب لمعركة لا بد واقعة معها. افترضوا أنها إسرائيل، فهدده تجار السلاح بوقف إمداده بالسلاح لكنه طمأنهم وقدم لهم ضمانات بعدم متابعته للشأن الإسرائيلي فارتاحوا. لكنهم عادوا وافترضوا بأنه يتسلح لكي يمول حركات التحرير في العالم بالعتاد والسلاح، فقدم لهم الضمانات بأن الطغيان ليس عدوه وبأنه لم يقرأ الشعر يوما حتى يكون الطاغية عدوه. وما كان تجار السلاح يزفرون قلقهم حتى داهم مسامعهم صدى صواريخهم يقصف بها القذافي شعبه، عدوه الذي لم يخطر لهم على بال.
- من أين جاءنا نيرون هذا؟- من “نقابة الرؤساء العرب” حيث يتخرج مجانين الحكم!- جنون العظمة هو مرضهم جميعا. كلهم يهرولون لتثبيت سلطتهم في الداخل من خلال تثبيت شعبيتهم في الخارج!- هذا يدعم المتمردين حيثما كانوا في العالم ليتقوي بهم حين يتمرد عليه أهاليه في الداخل!…- وذاك يبنى بمال الشعب أعلى بناية في العالم ويسميها باسمه كي يدخل وإياها كتاب غينيس للأرقام القياسية!…- وذلك يحرص على راحة السياح الأجانب حتى يروجوا له في بلدانهم ويساهموا في التخفيف من ضغط حكومات بلدانهم عليه!…- ورابع يروج لنفسه كمصمم للمدفع العملاق الذي سيدافع عن البلاد من الأعداء ولو كانوا قادمين من كوكب بلوتو!…- وخامس دخل مغامرات بناء ناطحات السحاب والأبراج والمسَلات حتى ينتبه الأحياء إلى وجوده ووجود شعبه الذي لا يتعدى مجموع سكانه أصابع اليد الواحدة!…
ترعرع القذافي بين أحضان مجتمع عربي ثقافته هي “جنون العظمة“. هذا فهمه في حينه وسبح في تياره. ولكنه حين بدأ جيله في التساقط قطعة قطعة، لم يفهم شيئا وحاول السباحة ضد التيار فتوقف العالم على جانب النهر للضحك على محاولاته اليائسة للنجاة دون طوق والتسلي بحركاته البهلوانية…
الفصل الرابع

عندما عاد العقيد من نزهة في الصحراء، علم بأن جاره في الحكم على اليمين قد هرب من كرسيه وقصره. ولما رجع من رحلة استجمام في البحر، علم أيضا بأن جاره في الحكم على اليسار قد هرب من كرسيه وقصره. ولما سمع العقيد باستعداد شعبه للخروج للتظاهر مطالبين بالديموقراطية، تساءل:- “ألم يدرسوهم “الكتاب الأخضر” في المدارس خلال الأربعين سنة من حكمي؟!
آنئذ، أيقن بأن “الكتاب الأخضر“ رهان ضعيف، فعمد إلى استثمار الكتاب الآخر طالبا من أئمة البلاد الفتوى ب”تحريم المظاهرات“.
رفض الأئمة له طلبه لكن رفضهم لم يحبطه إذ توجه مباشرة إلى الفتاوي الجاهزة المراكمة عبر التاريخ لدى الجيران والتي تحرم الخروج عن البيعة التي في عنقهم اتجاه الحاكم وتنبه لخطورة الفتنة النائمة في الرؤوس. ثم بدأ يرسل، إلى الهواتف النقالة، رسائل قصيرة كتب فيها: “العلامة الجليل الشيخ العارف بالله معمر بن عمرو العامري يفتي بحرمة عصيان الحاكم وإذكاء الفتنة النائمة في الرؤوس“…
ظل يتساءل لمدة طويلة عن إمكانية إزاحة الشعب لرئيس حَكَمَهُمْ منذ كانوا في بطون أمهاتهم قبل أن يعلم بأن شعبه ينوي المضي في نفس الطريق للإطاحة به وبأنه حدد تاريخ “الخميس 17 فبراير” موعدا لانطلاق الثورة، فارتعدت أوصال العقيد الذي أمر بتخصيص الأيام السابقة لذلك التاريخ للتظاهرات المؤيدة له والمتوعدة بمتظاهري يوم الخميس الموعود وهو يهمهم:- “حبات الطماطم اللعينة هذه على عربة البوعزيزي أججت ثورة على يميني وأخرى على يساري وثالثة بين شعبي وقفزت علينا واشتعلت في اليمن والبحرين وسوريا… مناقص من هذه ماطيشة!”ثم انقض على ميكروفون الإذاعة قرب وسادته في غرفة نومه:- “أهيب باللجان الشعبية لسحب تعويضاتها مسبقا للمشاركة في تظاهرة الغد وسحب مناشير الشعارات لحفظها وترديدها على مسامع أعداء الله والوطن. احملوا في تظاهرتكم “القرآن“ في يمناكم و”الكتاب الأخضر“ في يسراكم حتى تضمنوا النصر الأكبر والفوز الأعظم. احملوا الكتابين معا حتى إذا ما خذلنا “القرآن”، استقوينا ب“الكتاب الأخضر“…
ثم مُوَجّها غضبه إلى الثوار:- “خذوا الشعب فلن يؤثر ذلك في موازين القوى. أنا معي الملايين ليس من الداخل فحسب بل من كل ربوع العالم. لذلك، فجنودي أعزاء علي ولن أغامر بهم في معارك حامية الوطيس، وقبيلتي عزيزة علي ولن وأغامر بها في ساحات الوغى. سأشتري لخصومي من يذبحونهم كالشياه ويسقطونهم كالصراصير. سأشتري لخصومي مرتزقة يقفون على الحدود ولا ينتظرون غير موافقتي ليضعوا القبعات الصفراء على رؤوسهم ويشرعوا في العمل بالضرب على الرأس والصدر والقفا. ولهذا الهدف، لن استخدم لا البلطجية كمصر ولا القبيلة كاليمن ولا الشرطة كتونس ولا الشبيحة كسوريا. أنا زعيم مبدع وهذه آخر إبداعاتي: المرتزقة“…
كان البث الإذاعي مباشرا ومفاجئا ومع ذلك استحوذ على الاهتمام وحقق نسبة عالية من المتابعة.
عسكريان متقاعدان على عتبة بابهما انتظرا طويلا حتى انتهى العقيد من خطابه ليعقب على ما ورد فيه من هجوم:- لماذا لا يهتم العالم بنا؟- إذا كان القذافي عدو العالم، فعلى الأقل يجب أن نكون نحن بديلا عنه!- العالم لا يمكنه أن يتحرك إلا عند تلويحنا بسلاح النفط. وقد هددت بعض القبائل بوقف تصدير النفط إذا لم يضغط المجتمع الدولي على الطاغوت كي يوقف جرائمه.- المجازر ترتكب والقتلى بالآلاف…- على ماذا يعتمد القذافي؟- على ثلاث: الكتائب الأمنية، على طريقة المماليك حيث لا تدين الكتاب بالولاء لمؤسسة بل لاسم فرد هو القذافي وأبناؤه. وعلى اللجان الثورية وهي بوليس وحزب في آن معا مهمتها قمع المتظاهرين واغتيال المعارضين وتفجير الطائرات. وأخيرا، المرتزقة ممن يبيعون خدماتهم وحياتهم لقاء المال الوفير والعقيد يعتبر المرتزقة كشعب بديل عنا نظرا للولاء الذي يكنه له، ولاء الكلب لسيده…- يبدو أن العقيد قد أيقن مبكرا بأنه سيبقى لوحده في ساعة الحقيقة حين يواجه شعبه فبدأ يصنع شعبا طيعا بديلا يختاره بيده ويصنعه حسب منطق “الاختصاص“: مرتزقة الهتاف والتصفيقالقادمين من الملاجئ الخيرية، ومرتزقةالرقص والغناءمن الجنود الليبيين القادمين من الثكنات بعدما تجردوا من ملابسهم العسكرية، ومرتزقة الإعلام والترويجمن اللجان الثورية، ومرتزقة الحرب والقتل والتقتيلمن المرتزقة القادمين من بلدان العالم… حتى إذا ما ُطلِبَ منه أن يوقف القتال بفعل موت رجالاته، قال بأنه ليس له رجال في المعارك وأن كل رجالاته انفصلوا عنه؛ أما هؤلاء، فهم مجرد مرتزقة يتقاضون أجرا لقاء موتهم. فليكن لهم ما أرادوا! أما هو، فيكفيه فخرا بأنه سيكون أول حاكم في التاريخ يستعين بالمرتزقة ضد شعبه. وبهذه الطريقة، لن يشبهه أحد من مؤرخي المستقبل لا بنيرون ولا بكاليغولا ولا بكركللا وإنما سيدخل التاريخ باسمه الكامل غير منقوص: “معمر القذافي“!”…- المرتزقة قادمون من الخارج ليعيشوا على مال الشعب ويقتلوا أبناء الشعب. وفوق كل ذلك، يأخذون الجنسية ويصبحون شعبا موازيا لنا، أو ربما مع الوقت صاروا شعبا بديلا لنا!- لذلك، فالعقيد يريد تحويل الثورة إلى حرب بين “الشعب الأصلي” و”الشعب البديل“!…- سيصبح الامر مثيرا للسخرية!- تماما كما سيصبح مثيرا لمعاودة حمل السلاح ومقاومة هذا المجنون! أين “إعادة السلطة للشعب” التي كان يتشذق بها يوم انقلب على سيده؟!
في ذكرى يوم “إعادة السلطة للشعب“، كان العقيد يحاول بطائرات شعبه التي يقودها المرتزقة “استرجاع مناطق حررها شعبهمنه” بينما كان شعبه، في حشود عظيمة، يحتفل بنفس الذكرى في نفس اليوم ولكن بحرق “الكتاب الأخضر” وصور العقيد وعلمه وحيد اللون، ويشعلون النار في مقرات اللجان الشعبية ويهدمون مجسمات “الكتاب الأخضر” مهللين:- “الشهيد يريد إسقاط النظام“- “دم الشهداء، لن يسيل هباء“…
كانت الطائرات تقصف المتظاهرين بلا هوادة بينما الناس على الأرض يتساءلون عن طبيعة الجثث المفحمة على الطرقات:- هل هي هياكل عظمية متفحمة؟!- كيف يصير المرء هيكلا عظميا في ثوان؟!- ما طبيعة المواد التي تلقيها الطائرات كي تحيل المرء إلى هيكل عظمي متآكل؟!- الهياكل تبدو وكأنها أخرجت للتو من قبر من مقابر القرن الماضي!- كلا ! هذا أخي وهذا جاري وهذا صديق طفولتي!- أنا أعرف هؤلاء: أعرف أسماءهم وعناوينهم واهتماماتهم ومستوياتهم الدراسية وبرامج عطلهم الربيعية القادمة!- أنا أيضا أعرفهم واحدا واحدا!…بعد كل غارة من الجو، كانت كتائب العقيد تخرج من تحت الأرض لمسح عبارات الثورة على جدران المدن، وإنزال الأعلام المتعددة الألوان لترفع محلها العلم وحيد اللون، وتسوي بالجرافة قبور الشهداء بالأرض، وتجمع الجثث الملقاة على الشوارع وتنظف الطرقات من آثار الدماء، وتهاجم المستشفيات وتقتل الجرحى وتأخذهم في سيارات الإسعاف رفقة الموتى إلى جهات مجهولة خوفا من وصول لجان تحقيق دولية على حين غرة…
بعدما وصلت الإحصائيات حول عدد الشهداء وعددها بالآلاف إلى مسامع الأهالي، تعجبوا:- هل قتلنا معمر جميعا؟- لكل شيء ثمن. ومهما بلغ عدد الشهداء فثمن الحرية التي نشتريها أرخص من ثمن الذل الذي عشناه تحت حذاء هذا العسكري المجنون، نيرون العصر!
في بيته، جمع القائد ركائز سلطته ليتباحثوا أزمة الوضع في البلاد وأعطى في البداية الكلمة لابنه البكر سيف الإسلام، مستشارهفي الوساطة مع الداخل؛ ثم لابنهعز العرب، مستشارهفي الوساطة مع الشرق؛ ومن بعده لابنه حنبعل، مستشارهفي الوساطة مع الشمال؛ فابنه الساعدي، مستشارهفي الوساطة مع الشرق؛ ثم لابنتهعائشة، مستشارتهفي الوساطة مع الغرب؛ ومن بعدها لابنه المعتصم، مستشارهفي الوساطة مع الخصوم؛ ثم لابنه خميس، مستشارهفي الوساطة مع الأعداء…
وحين انتهى الاجتماع الأول في البيت، خرج على متن “التّكْتُك” إلى قاعة المؤتمرات حيث رن بيده جرس الاجتماع الثاني الخاص بمناقشة خطورة الوضع في البلاد، فتقاطر عليه ركائز حكمه كان أولهم عبد المُذلعشاق الدمثم عبد الضَّار سيال الدمومن ورائه عبد المنتقم شراب الدمومن بعده عبد القهار مصاص الدم ثم عبد المميت قذاف الدم…
كانت جلسة خفيفة تناولوا خلالها وجبة خفيفة عاد عقبها العقيد إلى قصره ليخبر ابنه البكر بالقرار الأخير:“إن أرصدتنا في بنوك العالم قد جمدت، و ممتلكاتنا صودرت، والبوليس الدولي يطلبنا لتقديمنا للمحكمة الجنائية… فليس لنا، والله، غير البقاء في هذا البلاد. اِلْقِ خطابا، يا سيف الإسلام، وقل للجماهير: سنحكمكم، نحن، وتستمر الحياة وإلا سندخل جميعا دوامة حرب أهلية طاحنة يكون الحكم بعدها لمن نجا من القتل والتقتيل!...”

الفصل الخامس


في كبرى ميادين العاصمة، نصب الثوار شاشة عملاقة لمتابعة خطاب ابن الزعيم مستبشرين بأنه خطاب الوداع والتنحي وبأن الأبن سيعلن تنحي الأب عن كرسي الحكم حقنا للدماء. لذلك، هتفوا منتشين:
- “تونس أسقطت نظامها في ثمانية وعشرين يوما ومصر في ثمانية عشر يوما. أما نحن، فقد أسقطنا الطاغية في أربعة أيام! تحيا الثورة الليبية! الطاغية هرب وابنه المعارض لنظامه سيلقي خطابا يعلن فيه تنحّي والده عن الحكم!”…
عم الصمت ساحات البلاد وبدأ ابن أبيه يدور في كرسيه الدوار أمام الكاميرا ينتظر أول فكرة يفتتح بها الخطاب. وحين تأخرت الفكرة وطال دورانه في كرسيه، جرب أن يطيل سبابته في اتجاه الجماهير خلف الشاشة عسى الإيماءة تعجل بكسر الجمود الذي تملكه فجأة لحظة اشتغال الكاميرا فكان:
“لن نترك السلطة لهذه الأسباب“: خلايا مسلحة دخيلة عبرت الحدود لإشاعة الفتن، والفوضى تعم البلد أبطالها مدمنو أقراص الهلوسة، ومنحرفون سيرغمون البلد على خسارة الشركات التي عقدت معنا صفقات تاريخية لاستيراد النفط. ليس هذا فحسب بل إن المخربين ينوون تفكيك ليبيا إلى دويلات من خلال حرب أهلية قادمة. ولذلك، فنحن سنستعمل القوة الرادعة لأننا لا زلنا أقوياء ولن نرحم في ذلك أحدا. ستسير أنهر من الدماء. فإما نحن وإما المحرقة! والدي لا زال هنا ينتظر جوابكم وانضباطكم وهو لن يهرب ولن يتخلى عن مسؤولياته التاريخية. فالزعيم القائد الخالد هنا عاش وهنا سيبقى وهنا سيموت وهنا سيدفن وهنا سيعظم إلى أبد الآبدين”…
ما أن سمعت الجماهير الوعد والوعيد حتى أغمي على الكثير منهم. أما من حافظوا على وعيهم، فقد بدؤوا برشق صورة ابن أبيه على الشاشة العملاقة بالنعال والأحذية، متسائلين:
- بأي صفة يتكلم ابن أبيه؟
- هو كان يقود معارضة ضد أبيه؟
- لماذا هو الآن يلقي خطابا نيابة عنه؟!
- هل سقط القناع أم سقط النظام؟…
على شاشة التلفاز، شاهد ابن أبيه ، لأول مرة في حياته، الشعب يقذفه بالأحذية وهو يلقي خطابه على الشاشات العملاقة في ساحات البلاد العمومية، فقال الابن للأب:
- لقد قتلتني، يا أبي !
- اعتقدت بأنك ستكون صبورا صبر إسماعيل الذبيح على سكين أبيه إبراهيم الخليل!
- إبراهيم الخليل لم يقتل أبنه وإنما اختبره. أما أنت، فقد اختبرتني وقتلتني!…
- إنه ليس قتلا، بل هو تضحية، شهادة، عمل فدائي… كن إيجابيا، يا ولدي!
- كان من الأجدى، يا أبي، أن تخطب في الناس أنت وتعدهم بنفسك وتتوعدهم بما تراه يليق بك وبهم حتى إذا ما ساءت الأمور، تدخلت أنا بالصلح مستثمرا الصورة الإيجابية التي رَسَمْتَهَا لي طيلة السنين الماضية حتى ترسخت في وجدان الجماهير. وبذلك، لن ندع للأجانب مجالا للتدخل أو اللعب!
- يكفي، يا ولدي. لقد عشنا ما يحلم به الناس. أما الآن، فقد دقت ساعة الرحيل. لكن هل تعتقد بأنني سأرحل لوحدي. إننا أسرة حاكمة. فإذا بقيت، سيبقى معي جميع أفراد أسرتي؛ وإذا رحلت، سيرحل معي الجميع؛ وإذا مت، سيموت معي الجميع؛ وإذا انتحرت، سينتحر معي الجميع: زوجة وخليلات وأبناء شرعيين وغير شرعيين وأقارب وأتباع ومرتزقة!…
ولما رآى القائد ابنه قد انزوى على الأرضية في الزاوية البعيدة من الغرفة معانقا بكلتي يديه ركبتيه وهو يبكي، طمأنه:
- حسنا، يا صغيري. لن تلقي خطابا بعد اليوم. وأعدك بأن أبدأ سلسلة الخطب ابتداء من نهاية هذا الأسبوع. هل هذا يعيد البسمة لمحياك؟ تابعني، إذن، على شاشة التلفاز…


الفصل السادس


«أيها الناس، إن الثورة تحدث مرة واحدة في تاريخ الأمم وقد وقعت وكنتم، أنتم أو آباؤكم أو أجدادكم، من قام بها عام نزول الإنسان لأول مرة على سطح القمر حيث سمع لويس آرمسترونغ وزميله نيل يانغ وهما خارج كوكب الأرض زغاريد فرح جداتكم أو أمهاتكم أو زيجاتكم أو أخواتكم أو ربما بناتكم. واليوم، بعد أكثر من أربعين عاما، تريدون تكرار نفس التجربة؟!…

الثورة تكون مرة واحدة وقد قامت في الفاتح من سبتمبر وانتهى التاريخ ولم يعد ثمة مجال للثورات ولا للاختلاف. لكم “الكتاب الأخضر” ففيه نواميس الكون.

فعن أي ثورة جديدة تتحدثون؟

الثورة قمت أنا بها وانتهى الأمر ولم يعد ثمة مجال لتكرار التجربة فالتاريخ لا يكرر نفسه. أنا من ابتكر “ثورة الغضب” وأنا من سمى الثوار ب“الغاضبين” وأنا الثائر الأكبر!

الثورة قمت بها قبل أربعين عاما ودعمت حركات التحرير في العالم وأنجحت ثورات هنا وهناك وهنالك. أنا مع ثوار الخارج حيثما كانوا وضد ثوار الداخل كيفما كانوا. أنا هنا آخر الثوار. الثورة هنا حدثت وانتهى التاريخ. لا مجال للعب بالألفاظ واختزال الثورة في تغيير رئيس برئيس. أنا لست رئيسا: أنا زعيم ثورة. أنا لا منصب لي. ولذلك، لا يمكنني التنحي. فأنا مقاتل ثائر وسأدافع عن ثورتي إلى آخر رجل من رجالي. أنا ليس لدي سوى بندقيتي. سأُقَاِتُلُكْم وأَقْتُلُكُمْ وأُقََتِّلُكُمْ جميعا. سأحرق ليبيا وسأسيطر على الموقف ولو في بحر من الدماء فأنا الشعب أما أنتم فمجرد متآمرين على الشعب.

أتقلدون ثورات جيرانكم؟

هؤلاء لم يعرفوا، قبل هذا العام، ثورة عبر كل مراحل تاريخهم. ثم إن ثوراتهم جاءت لتغيير رئيس برئيس وتبديل حزب بحزب… أما هنا، فلا توجد أحزاب ولا يوجد رئيس. هنا، الشعب هو الذي يحكم. ولا يمكن لأحد أن يثور على الشعب. لا يمكن لأحد أن يثور على نفسه إلا إذا كان مجنونا أو مدمن حبوب هلوسة. ثم إنها ثورات على سياسيين ومحترفي السياسة. أما ما تسمونها أنتم “ثورتكم” هنا، فهي ثورة على ثوار! وهذا أمر خطير. وحدهم القتلى المحتملين من سيفسر معنى “الخطورة” التي أتحدث عنها لأنه لا أحد منا سيقبل لا بالتوافق ولا بالتنحي ولا بالهزيمة…

ما كنت أعلم بأنني أحكم شعبا كهذا؟!

شعب يثورعلى نفسه !

إذا كنتم ثائرون على أنفسكم، فلماذا تخرجون إلى الشوارع وتهاجمون المؤسسات وتحرقون البنايات؟!

إن من يثور على نفسه، يتحلى بنَفَسِ الصوفية والزهاد والنساك ويعكف على إصلاح ما فسد في نفسه وتنمية ما عاب من شخصيته. أما الخروج للشارع لإشعار الآخرين بأن المرء ثائر على نفسه، فهذا ما لا يمكن أن يقوم به إلا مدمنو أقراص الهلوسة!

أنا هنا لأحكمكم فوصفة طبيبي تقرن دوائي بحكمكم وشفائي بطاعتكم. ولذلك، فأنا لا أتوقع من شعب حكمته أربعين عاما أن يرجعني إلى نقطة الصفر، إلى جنوني. أنا مصاب بجنون العظمة والسلطة هي دوائي ومُسَكّن دائي. لذلك، فأنا أحذركم من المساس بدوائي وإلا فسترون وحشا كاسرا. فإما أن تقفوا معي فتستمر الحياة أو أن تتكالبوا علي وآنذاك سأقتلكم جميعا حيثما اختبأتم وسأرجمكم بكل ما أملك من أسلحة ضد الجدران والمخازن وتفجير طبقات الأرض. لن أرحمكم إذا خالفتموني.
فمع من أنتم؟

مع الزعيم القائد العظيم الخالد؟

أم مع وهم الثورات العربية الخادع؟


إن من يتوقع تضامنا من الخارج مع ثورته، فهو واهم: صمت العرب مضمون مادام ما يحدث لي سيحدث لهم، وصمت الجيران سأشتريه بالنفط مقابل التواطؤ، والموقف الدولي في جيبي…
فمع من أنتم؟
أنا ولدت لأحكم وحين تأخرت أمنيتي، جننت ودخلت مصحة “عين شمس” فرع جنون العظمة. ولدت لأحكم وأنتم وُجدتم لتأييدي وموالاتي ونصرتي. ولأن القدر جمعنا، فإننا لن نفترق ولو احترق كل البلد! سنبقى على هذه السفينة التي وجدنا على ظهرها. فإما النجاة وإما الغرق ولا حقّ لأحد في الفرار. لا حقّ لأحد في الخيانة. أنا الوطن، فدافعوا عني بأعراضكم ونسلكم وحياتكم وأنا أضمن لكم الخلود ودخول التاريخ!

أنا إسمي معمر ومعناها ليس فقط طويل العمر بين أسرته في بيته ولكن أيضا“طويل العمر بين شعبه على كرسي الحكم وبدعواتكم سأصبح ميتوشالح وسأعمر طويلا وسأعيش ألف سنة” كما عاش المعمرون من الأسلاف. فلماذا تغارون من قدري؟ أتثورون علي بدافع الغيرة من طول عمري وطول بقائي على الكرسي؟!
أنا لست نيرون العربي، أنا معمر القذافي. فكما ذكر التاريخ طويلا نيرون، عليه أن يذكر اسم معمر القذافي طويلا. ولمن سيقاوم دخولي التاريخ من بابه العريض عليه أن يقاوم جموحي وأوله هجومي على شعبي بجيوش المرتزقة قتلا وتنكيلا. هل فعل هذا أحد قبلي؟…

الليلة، ستُنْتَهَكُ حرمات البيوت!

الليلة ليلة الزحف، الزحف في كل الاتجاهات زنقة زنقة، دارا دارا، غرفة غرفة، فردا فردا!…

الليلة ليلة الزحف عليكم، أيها الجرذان!…

سنمسككم واحدا واحدا!

لتختبئ الجرذان وليرقص الأنصار في الشوارع ويغنوا ويستعدوا لقتل الجرذان وبقر بطونهم وحرق جثثهم!

وإنه لزحف حتى النصر!»الفصل السابع


عاد العقيد على متن “التُّكْتُك” إلى قصره فوجد ابنه لا زال على أرضية الغرفة معانقا ركبتيه فمسح بيده على رأسه معيدا لوجهه بشاشته قائلا له:
- أرأيت كيف يكون الإلقاء، يا بني؟
- ألم يكن إلقائي أنا موفقا، يا أبت؟
- كيف يمكنه أن يكون موفقا وأنت، طول مدة الخطاب، كان كل همك هو وضعية ربطة العنق وإيماءاتك ووضعية جلوسك ولغة جسدك؟ لقد كنت متوترا وبدا ذلك واضحا من خلال دورانك في مكانك على الكرسي الدوار حتى أنني خشيت أن ينزلق بك الكرسي فتبتعد عن الكاميرا وترتطم بالحائط!…
- إذا كان الأمر كذلك، فسأتخلى لك، من الآن فصاعدا، عن الخطب وسأكتفي باللقاءات الصحفية حيث لن أواجه شعبا مسلحا ولن يجد التوتر إلى أوصالي سبيلا…
- سأترك لك فرصة الظهور في اللقاءات الصحفية إذ لم تطاردك الأحذية على الشاشات العملاقة في الساحات العمومية ثانية…
- هل الأحذية تطارد ظهوري لوحدي على الشاشات العملاقة، يا أبت؟
- هذا ناتج عن ضعف شخصيتك وخفة وزنك و…
- ولكن ألا ترى الآن على هذه الفضائية الأجنبية عدد الأحذية التي ترشقك بها نفس الجماهير على نفس الشاشات العملاقة في نفس الساحات العمومية، يا أبت؟
- أكاد لا أصدق عيني!…

لم يصدق العقيد كيف قُذِفَ ابنه بالأحذية حين ظهر على الشاشات العملاقة في الساحات العمومية وهو الآن يستشيط غضبا لرؤية صورته هو أيضا تلقى نفس المصير وجن جنونه أكثر حين بدأت شاشات العالم تبث صوره العملاقة على الطرق السيارة يتسلقها الشباب ليمزقوها إربا إربا وهم يهتفون بموته ورحيله ويتحدونه أن يخرج للميادين العامة كي يخطب فيهم…

في نفس الآن، كان الهاتف الثابت على يمينه يرن وكان جرس الباب المجنون قبالته يزعق:
- آلو، الأخ القائد. هذا مبعوث الوطن للأمم المتحدة!
- أهلا بك!
- استمعت قبل قليل إلى خطابك وأود أن أشعرك بصداه هنا بين سفراء أمم الأرض.
- لست بحاجة لسماع الأصداء التي أعرفها مسبقا!
- الأخ القائد، إذا كنت تنفر من سماع الأصداء، فاستمع إلى كلامي كصديق العمر: تنح وجنب البلاد كارثة محدقة…
- أنا ليس لي منصب. أنا زعيم ثورة…
- هذا الكلام قله لغيري. أما أنا فصديق العمر. تنح، يا صديقي، فالوطن أكبر منا ولعنة الله على السلطة التي تجعل منا وحوشا!
- أنا الوطن ولا شيء أكبر مني. لا شيء يقف في وجه إرادتي. لا فقدان الشعب ولا فقدان الأصدقاء…
- حسنا، انس إذن اسمي وواجه الطوفان لوح

الحالم
موفد رائع
موفد رائع

ذكر عدد المساهمات : 3477
نقاط : 62131
نقاط السٌّمعَة : 341
تاريخ التسجيل : 25/07/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى